ابن الجوزي

378

صيد الخاطر

يا نفس ما هو إلا صبر أيام * كأن مدتها أضغاث أحلام يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة * وخلّ عنها فان العيش قدامي ثم أيها العالم الفقير . أيسرك ملك سلطان من السلاطين ، وان ما تعلمه من العلم لا تعلمه ؟ كلا ما أظن بالمتيقظ أن يؤثر هذا . ثم أنت إذا وقع لك خاطر مستحسن ، أو معنى عجيب ، تجد لذة لا يجدها ملتذ باللذات الحسية ، فقد حرم من رزق الشهوات ما قد رزقت ، وقد شاركتهم في قوام العيش ، ولم يبق إلا الفضول الذي إذا أخذ لم يكد يضر . ثم هم على المخاطرة في باب الآخرة غالبا . وأنت على السلامة في الأغلب . فتلمح يا أخي عواقب الأحوال ، واقمع الكسل المثبط عن الفضائل ، فان كثيرا من العلماء ماتوا مفرّطين يتقلبون في حسرات وأسف . رأى رجل شيخنا ابن الزاغوني « 1 » في المنام ، فقال له الشيخ : أكثر ما عندكم الغفلة ، وأكثر ما عندنا الندامة . فاهرب وفقك اللّه قبل الحبس ، وافسخ عقد الهوى على الغبن الفاحش . واعلم أن الفضائل لا تنال بالهوينى ، وان يسير التفريط يشين وجه المحاسن . فالبدار البدار ونفس النفس يتردد ، وملك الموت غائب ما قدم بعد ، وانهض بعزيمة عازم : إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه * ونكّب عن ذكر الحوادث جانبا ولم يستشر في أمره غير نفسه * ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا وارفض في هذه العزيمة الدنيا وأربابها . فبارك اللّه لأهل الدنيا في دنياهم ، فنحن الأغنياء وهم الفقراء . كما قال إبراهيم بن أدهم : لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف . فأبناء الدنيا أحدهم لا يكاد يأكل لقمة إلا حراما أو شبهة وهو وإن لم يؤثر ذلك فوكيله يفعله ، ولا يبالي هو بقلة دين وكيله . وإن عمروا دارا سخّروا الفعلة ، وان جمعوا مالا فمن وجوه لا تصلح . ثم كل منهم خائف أن يقتل أو يعزل

--> ( 1 ) علي بن عبيد اللّه المؤرخ الفقيه الحنبلي له مصنفات كثيرة توفي سنة 527 .